ابن الجوزي

87

بستان الواعظين ورياض السامعين

لقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا يكمل للمؤمن إيمانه حتى يرى أن الذي قضاه اللّه عليه أو له خير له من الذي أراد لنفسه » وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « في قضاء اللّه تعالى . خيرا إلّا قضاء النار » وإذا قضى اللّه تبارك وتعالى على عبده بالنار فهو عبده وهو خلقه لم يعنه أحد على خلقه ولا على رزقه ، وهو يفعل ما يريد لا شريك له في ملكه . ثم ينادي الجليل جل جلاله : يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ [ الزخرف : 68 ] فإذا سمع الخلق هذا النداء رفعوا رؤوسهم وطمعوا كلهم في هذا النداء وقالوا كلهم : نحن عباد اللّه ، ثم ينادي ثانية : الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ [ الزخرف : 69 ] فعند ذلك ينكس رأسه كل من لم يكن مسلما ، فتبقى أهل الأديان متحيرين ويفرح المسلمون ، ثم ينادي ثالثة : الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ [ يونس : 63 ] أي كانوا يتقون الكبائر - فينكس أهل الكبائر من أهل التوحيد رؤوسهم ويرفع رؤوسهم سائر أهل التوحيد الذين اجتنبوا الكبائر وتابوا عنها توبة نصوحا . فكيف بك يا مغرور يا مسكين قد ارتكبت الكبائر والصغائر ، وعصيت مولاك في الخفيات والظواهر ، وأيقنت أنك مسؤول يوم تبلى السرائر ، ولاق من العقوبة على ذلك الحظ الجزيل الوافر . وأنشدوا : عصيت اللّه ألوان المعاصي * كأنّي لست أوقن بالقصاص فمالي لا أنوح على ذنوبي * وأبكي يوم يؤخذ بالنواصي [ 150 ] نصيحة فانظر لنفسك يا مسكين يا ضعيف الإيمان واليقين قبل حلول الندم ، وزوال النعم ، ونزول النقم ، حيث لا ينفع الندم . فاستعد للسؤال ، وتهيأ للجدال ، قال اللّه الكبير المتعال : يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [ النحل : 111 ] . [ 151 ] السائق والشهيد فإذا سمع العباد النداء وعلم كل عبد وأمة منزلته من جميع أهل الأديان ، نشرت الدواوين ووضعت الموازين ، وجيء بالنبيين ، ونصبت المنابر بالأنبياء والرّسل فيجلس كل نبي على منبره وأمته قد أحدقت به ، ونصبت الكراسي